مؤتمر أقباط مصر: لماذا الآن وفي واشنطن؟

 

أحمد أبو مطر - اوسلو

 

يثير منذ أسابيع المؤتمر الذي سوف يعقده أقباط مصر في واشنطن في السادس عشر من نوفمبر الحالي ، موجات متتالية من الأسئلة والإستيضاحات من جهات متعددة، ينطلق بعضها من باب التشكيك والإتهامات المعتمدة على حيثيات مضلله من المؤكد سوف تخدع القارىء العادي، غير الملم بأبعاد وحيثيات المسألة القبطية في مصر، التي برزت إلى السطح بشكل هو أقرب إلى المأساة في أحداث الإسكندرية الطائفية الأخيرة، حيث هاجمت جماهير غفيرة ليست غفورة إحدي الكنائس القبطية بشكل همجي محتجزة الكهنة والمصلين لساعات طويلة تحت شعارات الدفاع عن الإسلام والرد على المسيئين إليه، وأقول بشجاعة صارخة أنها ممارسات لم يجرؤ جيش الإحتلال الإسرائيلي على فعل مثلها في حالات مشابهة، إذ عندما إعتصم عدد من النشطاء والمطلوبين الفلسطينيين في كنيسة المهد ببيت لحم، في بداية الإنتفاضة الأخيرة، حاصر جيش الإحتلال الكنيسة عدة أسابيع لكنه لم يجرؤ على إقتحامها مطلقا، وكان يسمح بدخول الكهنة إليها حاملين الغذاء والدواء للمحاصرين فيها، إلى أن عقدت السلطة الفلسطينية مع الجانب الإسرائيلي إتفاقية إجلائهم من الكنيسة، وتمت العملية بأمان رغم توقع العديدين أن جيش الإحتلال سوف يقوم بإعتقالهم فور خروجهم من الكنيسة، وهذه قمة المأسآة المبكية المضحكة أن يكون جيش الإحتلال أكثر حضارة وأخلاقا من جمهور المتأسلمين الذين حاصروا كنيسة الإسكندرية ومن ورائهم قيادات إخوانية، أعادوا إفتعال مسرحية قديمة لأغراض إنتخابية ولم يعطوا أوامرهم لجمهورهم من المضللين بالتهدئة إلا بعد إنسحاب المرشح القبطي، وسط عجز الأمن المصري الفاضح عن إجلائهم عن الكنيسة منذ البداية. لذلك يصبح التساؤل الوارد في عنوان المقالة منطقيا، فهل هناك ضرورة لعقد مثل هذا المؤتمر وفي واشنطن؟؟. جوابي: نعم..لأن مصر (أم الدنيا) عاجزة منذ مئات السنين أن تكون أما حنونة لما لايقل عن عشرة ملايين قبطي من أبنائها، وتمارس عليهم تفرقة وتمييزا عنصريا، لا يمكن إخفاؤه بالتغني الخطابي بالوحدة الوطنية المفقودة فعلا، ولا بصياغة الشعارات حول النسيج الإجتماعي المهلهل حقيقة، لأن ما يعيشه أقباط مصر في الواقع والحياة غير ذلك، ومالم نجرؤ على تشخيص الواقع ونشر غسيلنا الوسخ، فلن يكون من السهل تحسين هذا الواقع وتنظيف هذا الغسيل، والواقع لن يلغيه السكوت عليه خاصة أنه واقع ملغوم متفجر، يعبر عن نفسه بعشرات القتلى من الأقباط كما حدث في الكشح قبل سنوات وبممارسات همجية في كافة المستويات كما حصل في الأسكندرية قبل أيام، وطبقا للكتاب السنوي الذي يصدره مركز دراسات إبن خلدون برئاسة الدكتور سعد الدين إبراهيم عن الملل والنحل والأعراق، فإن عدد الأحداث الطائفية العنيفة التي وقع فيها ضحايا واستدعت تدخلا أمنيا واسع النطاق زادت عن مائة و عشرين خلال الفترة من سبتمبر 1972 (الإعتداء على جمعية النهضة الأرثوذكسية في دمنهور بمحافظة البحيرة، ثم إضرام النار في في دار جمعية الكتاب المقدس بالخانكة بمحافظة القليوبية، إلى الإعتداء الأخير على كنيسة مارجرجس بمحرم بك بالإسكندرية في الحادي والعشرين من إكتوبر الماضي، وهذا العدد يثبت أن الإعتداءات على الأقباط المصريين وممتلكاتهم وكنائسهم، تحدث بشكل مستمر مما يجعلها سمة من سمات حياتهم اليومية التي لن تكون إلا مزروعة بالخوف والرعب المتواصل، وهذا الواقع لن يتم تحسينه من خلال برقيات المناصرة والتأييد بين البابا وشيخ الأزهر، ونكتة عناق الهلال والصليب، ولتشخيص المظالم والتعديات الواقعة بحق أقباط مصر سكانها الحقيقيين منذ الغزو الإسلامي ولن يغير الواقع تسميته الفتح الإسلامي، و سوف أعدد أكثرها شيوعا وعلانية معتمدا على حقائق ميدانية يعرفها كل مصري مسلم أو قبطي، ويعرفها من عاش مثلي في مصر خمسة عشرعاما ودرس فيها من بداية المرحلة الجامعية حتى درجة الدكتوراة في القاهرة والإسكندرية حيث سكنت أربعة سنوات في منطقة محرم بك التي شهدت المأسآة الهمجية قبل أيام.

أولا: القيود المشددة على بناء الكنائس أو ترميمها
من يصدق أن أي مسلم يستطيع أن يبني مسجدا سواء كان صغيرا أو كبيرا بدون الحصول على أية تصاريح من الدولة، فمجرد وضع حجر الأساس وأمامه يافطة مكتوب عليها (مسجد....)، لا تجرؤ أية جهة رسمية مصرية على التعرض له أو التفكير في هدمه او مساءلة بانيه عن الرخصة غير الموجودة أساسا، فمن يجرؤ على ذلك في ظل (إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر)، وبالتالي فمن عمّر هذا المسجد مؤمن بالله رغم أنه في العديد من الحالات يقوم التجار النصّابين ببناء المسجد غطاءا لنصبهم وتجارتهم الحرام. في حين أنه توجد قوانين واضحة مشددة تجعل طلوع الروح لخالقها أسهل من الحصول على ترخيص لبناء أو ترميم كنيسة، لأن ذلك يحتاج إلى قرار من رئيس الجمهورية شخصيا. ومن المظاهر المألوفة في مصر وغالبية الدول العربية هو وجود مسجد أمام أو خلف أو قرب أية كنيسة وهي عادة أو تقليد متعمد، فأينما توجد تلك الكنيسة يعمد المسلمون لمزاحمتها ببناء مسجد، يفسره المضللون على أنه من مظاهر التسامح الديني، ولهم الحق أن يستمروا في أكاذيبهم ولكن نحن المسلمين نعرف المداولات والمشاورات التي تتم لبناء مسجد يزاحم الكنيسة وتتم التبرعات لذلك المسجد بسرعة ضوئية، بينما تطول الجهود لدى المسلمين أنفسهم لجمع التبرعات لمسجد آخر بعيدا عن أية كنيسة. هل هناك من يستطيع الدفاع عن هذه القيود والعقبات الموضوعة أمام بناء الكنائس أو ترميمها، وأنه ليس بتوجيه ورعاية حكومية رسمية، لكسب أصوات وتأييد الجماهير الغفيرة المتأسلمة وغير الغفورة؟؟. وإلا لماذا لا ترفع القيود عن بناء الكنائس، أية حقوق متساوية وأي تسامح هذا الذي يسمح للمسلمين ببناء المساجد متى وأينما شاءوا وبدون أية قيود، بينما يحتاج بناء كنيسة جديدة أو ترميم كنيسة قديمة إلى قرار من رئيس الجمهورية....وفي حالات عديدة وبناءا على وشايات من جيران الكنيسة، تدخل البوليس لمنع إدخال أكياس من الأسمنت لفناء الكنيسة لترميم حائط أو سقف فيها.

ثانيا: العنصرية في كافة مستويات الوظائف الحكومية
التفرقة في هذا الميدان واضحة للعيان لا يمكن أن تخفيها إدعاءات المساواة الكاذبة، فالمتتبع للحياة الوظيفية في مصر، يتأكد أنه منذ الإنقلاب العسكري عام 1952، لم تشمل أية وزارة مصرية على أكثر من وزير مسيحي واحد، وقد حجزت في زمن عبد الناصر وزارة التموين عدة سنوات للسيد رمزي إستينو، وكان المصريون ينكتون بأن عبد الناصر يتعمد إعطاء هذه الوزارة لوزير قبطي، كي يتحمل الأقباط من خلال ثقافة التجهيل وأميّة سبعين في المائة مسؤولية كل أزمة تموينية تحدث في مصر، وتصور الإحتقان الداخلي عندما نتذكر أن مصر من خلال الإنفجار السكاني تعيش أزمة تموينية متواصلة في النصف الأخير من القرن الماضي. وفي مجال الشرطة والجيش هناك مايشبه العرف الذي ينص على عدم ترقية الأقباط إلى رتب عالية في هذين المجالين رغم أن التجنيد الإجباري يطبق على المصريين بدون إستثناء، إلا أنه في ميدان الترقيات للمناصب العالية يتم التفريق بشكل واضح وشبه علني ، وكذلك في مجال القبول في الكليات التي تحت سبطرة الدولة بشكل مباشر ككليات الشرطة والعسكرية حيث نسبة الطلبة الأقباط تكاد لا تذكر، وبالتالي لا تجد في مصر الآن أي قبطي في منصب المحافظ أو رئيس لمجلس مدينة أو عميدا لكلية أو رئيسا لجامعة، وبالتالي لا يمكن القول إن هذه التفرقة الطائفية غير مقصودة، بل هي تتم بتوجيهات حكومية عليا لأن هذه المناصب والمقاعد بيد الدولة ومسؤوليها، فلماذا يستثنى الأقباط؟؟. والدليل الدامغ على هذه التفرقة الطائفية أنه في القوائم الإنتخابية الأخيرة، قدّم الحزب الوطني الحاكم من أصل أربعمائة وأربع وأربعين مرشحا، إثنين فقط من الأقباط ، فهل هذا أيضا غير مقصود؟؟.

ثالثا: العنصرية الثقافية

من المستغرب تماما أن مالا يقل عن عشرة ملايين قبطي مصري أي حوالي خمسة عشر في المائة من تعداد سكان مصر، يعيشون وسط تعتيم ثقافي على خصوصياتهم الدينية والتعليمية والثقافية، ففي الوقت الذي تقدم الإذاعات والتلفزيونات الحكومية عشرات البرامج الدينية الإسلامية ليلا و نهارا، لدرجة الملل والتخمة، لا نجد برنامجا واحدا عن الديانة المسيحية، ومادة التربية الإسلامية في مراحل التعليم الأولى تقدم للجميع مسلمين ومسيحيين، فلماذا لا تقدم أيضا دروس عن الديانة المسيحية لتكون عاملا من عوامل تعريف الجهلة المسلمين بديانة التسامح والمحبة، لأن التركيز في برامج الدراسة على (اليوم أكملت لكم دينكم ورضيت لكم الإسلام دينا) و (من يبتغي غير الإسلام دينا فلن يقبل منه)، لن ينتج عنه وسط الأميين والجهلة سوى إحتقار المسيحييين والإحساس أن إضطهادهم وقتلهم واجب شرعي، وهذا ما يفسر تصاعد أحداث بسيطة للغاية إلى عمليات قتل وذبح على الهوية كما حدث في أحداث الكشح الأولى عام 1999 والكشح الثانية عام 2000، وما يفسر أيضا تهليل المسلمين وفرحهم العارم بإعتناق أي مسيحي للإسلام وهو فرح لن يرقى إليه فرحهم إن تمّ تحرير القدس كما حدث في موضوع وفاء قسطنطين التي إدعى البعض أنها تحولت للإسلام، ولكن فرحتهم لم تتم بعد أن أكدت وفاء نفسها عودتها للمسيحية ديانتها الأصلية، وضمن السياق من المهم أن نتذكر أن العرب والمسلمين يهرعون سرا وعلنا لزيارة إسرائيل بما فيهم وزراء الخارجية العرب، في حين أن البابا شنودة حرّم وما زال على أقباط مصر زيارة القدس طالما هي محتلة. وهذه العنصرية الثقافية أفضل توصيف لها أنها (ثقافة الإنكار والعار) كما أطلق عليها الدكتور سعد الدين إبراهيم (الراية القطرية 31 أكتوبر 2005)، إذ لا يكفي التغني بالعذراء مريم وأن الرسول(ص) تزوج مارية القبطية وأنها من أمهات المؤمنين، لأن الإيمان الحقيقي بذلك يجب أن يترجم إلى إحترام لمعتنقي ديانة مريم العذراء !!!.
إن المسألة ليست سهلة على الإطلاق، لأن ما يعيشه أقباط مصر والمسيحيون عموما في الأقطار العربية بمستويات متعددة، هو نتاج ثقافة ظالمة لا تسمح بوجود الآخر إلا على الهامش، والخروج منها يحتاج جهدا شاقا في مجالين:
الأول: إعادة النظر في البرامج التعليمية التي تركز على مقولات التفوق الكاذبة لمعتنقي الإسلام مما ينتج عنها تلقائيا إلغاء الآخر أو النظر إليه نظرة إزدراء و دونية، وفي الوقت ذاته تقديم الديانة المسيحية في البرامج التعليمية كما يراها أصحابها وليس الآخرون، كما يتم تقديم الدين الإسلامي من مصادره القرآن والسنة.
الثاني: إصدار الحكومة بشكل عاجل لمجموعة من القوانين تحقق المساواة في مجالات التفرقة التي ذكرناها سابقا، ليشعر الأقباط حقيقة أنهم مواطنين حقيقيين متساوين مع الآخرين.
وإستنادا لما سبق، علينا أن لا نشعر ولا نفكر أنه أمر غريب أن يتداعى الأقباط المصريون لعقد مؤتمرهم القادم في واشنطن أو غيرها من العواصم، لأنه من المستحيل أن تسمح لهم السلطات المصرية أو سلطات أية دولة عربية لعقد هذا المؤتمر في عاصمتها...إن أي مثقف عربي يؤمن بحقوق الإنسان وأن البشر متساوين، لا يمكنه إلا دعم هذا المؤتمر كي نعيش فعلا وحقيقة عناق الهلال والصليب.
كاتب واكاديمى فلسطينى يعيش بالنرويج



American Coptic Association
 
Sincereley,
Milad S. Iskander
http://www.amcoptic.com/