خرافة عبادة الأنثى فى المسيحية

 

نشرت مجلة روز اليوسف الغراء مقالا تحت عنوان «عبادة الأنثى» للأستاذ «أسامة الغزولى» وهو مقال طويل متعدد الاتجاهات والموضوعات حيث تحدث عن الحركة النسوية العالمية وعلاقتها بظاهرة آكلى لحوم البشر، وعن دعاة تحرير المرأة وموضوعات أخرى، حاول الكاتب أن يجمع بينها ويقوم بتربيطها معا، وسوف أركز فى حديثى عن الجزء الخاص بالعقائد المسيحية وما أثير حولها من أكاذيب مرتبطة بما كتبه «دان براون» صاحب كتاب شفرة دافنشى مثل زواج السيد المسيح بالقديسة مريم المجدلية والكأس المقدسة وعبادة الأنثى.

في البداية أود أن أشير إلى أن كتاب شفرة دافنشى والذى من خلاله تم عمل فيلم سينمائى يحمل نفس الاسم هو مجرد بدعة لا أساس لها فى الكتاب المقدس شأنها شأن البدع التى انتشرت مع كافة الأديان، والتى روجها أناس فاسدو الذهن، إما طمعا فى الشهرة أو الربح القبيح أو جريا وراء الذات وعدم الاقتناع إلا بما يدور فى فكرهم فقط فهم عبيد لأنفسهم متكبرون. تحدث المقال عن لغز الكأس المقدسة الذى يعالجه الفنانون والشعراء فى العالم المسيحى منذ قرون: وهناك تساؤل: هل الكأس المقدسة هى تلك الكأس التى شرب منها السيد المسيح فى العشاء الأخير، أم هى امرأة مقدسة حملت سر المسيح ونقلته إلى الأجيال التالية؟ ويضيف المقال تحت عنوان الكأس المقدسة: السر هو أن الكأس هى امرأة تزوجها المسيح وحملت منه.. ويقول أيضا: الاهتمام الرئيسى للرواية يبقى تمجيد المرأة ورمزها التاريخى مريم المجدلية التى تزعم الرواية أنها لم تكن مجرد عاهرة دعا المسيح للعفو عنها، بل كانت زوجته المطهرة التى حملت فى أحشائها سر المسيحية مجسدا فى سلالة المسيح، وبالتالى كانت الكأس أو القنينة التى استقر فيها السر المقدس.. وتعليقنا على ذلك هو:

من هو كاتب كتاب شفرة دافنشى؟
هو دان براون الكاثوليكى بالاسم الذى وصف الأديان عموما بأنها كاذبة وبنيت على التلفيق والفبركة «
fabrication». إنه رجل لا يؤمن بالأديان بل يضعها فى دائرة يلفها الغموض فماذا نتوقع منه، لقد راح يبحث عن الأساطير والخرافات وأخذ يقدمها كأنها حقائق ثابتة دون أن يقدم دليلا على صحة ما يدعيه.

الكأس المقدسة بين الحقيقة والأساطير
انتشرت فى القرون الأولى بعض الأساطير عن الكأس المقدسة ومن بينها أسطورة تقول: إنها الكأس التى استخدمها القديس يوسف الرامى ليجمع فيها دم المسيح الذى تساقط من جسده وهو معلق على عود الصليب، وهذه الكأس المقدسة «holy grail» حدث منها العديد من المعجزات، ويقال أن يوسف الرامى أخذها إلى بريطانيا وأسس سلالة لحراستها، أما فى فرنسا فقد اتخذت الأسطورة شكلا آخر حيث أضيف إليها عناصر جديدة وتم ربطها بالكأس التى استخدمها السيد المسيح فى العشاء الأخير«holy chalic» ، وبذلك جعلت الأسطورة كأس العشاء الأخير هى نفسها الكأس التى استخدمها القديس يوسف فى جمع الدم المتساقط من جنب السيد المسيح. وتمضى الأساطير والخزعبلات فتقول: إن القديس يوسف الرامى القى فى السجن وخلال فترة حبسه زاره السيد المسيح وكشف له عن أسرار الكأس المقدسة. والسؤال الآن: إذا كان شئ من هذا قد حدث جدلا لا سمح الله، فلماذا لم يذكر بالكتاب المقدس، ومنذ متى والسيد المسيح يختلى بأحد التلاميذ ويلقنه ما يجب أن يعرفه عن الأسرار المقدسة؟ إنه نفس الأسلوب الذى ادعاه بعض أصحاب الطوائف المنحرفة والمستحدثة، حيث يدعى أحدهم أن السيد المسيح ظهر له وأخبره أن العمر لم يتسع أمامه ليكمل مشواره فى هذه الحياة وقال له «البركة فيك، أنت تكمل المشوار بدلا عنى». هل الكأس هى رحم المجدلية ودم المسيح هو نسل المسيح؟ فى القرن التاسع عشر ازداد انتشار هذه الأسطورة، حتى أنه بمجئ القرن العشرين تم إنتاج العديد من الأفلام الروائية عنها، وأصدر ثلاثة من المؤلفين كتابا روائيا باسم الدم المقدس، وجعلوا دم المسيح هو نسل المسيح وجعلوا رحم المجدلية هو الكأس المقدسة التى حملت هذا النسل المقدس.

لقد زعم المؤلفون الثلاثة أنه من المحتمل أن يكون السيد المسيح قد ذهب مع زوجته المزعومة «مريم المجدلية» وأطفالهما إلى ما يسمى حاليا بجنوب فرنسا وأسسوا سلالة ملكية هى «الميروفينجيان» وكان المؤلفون الثلاثة أفضل من دان براون مؤلف كتاب شفرة دافنشى الذى سرق أفكارهم وبنى عليها أفكاره، لقد اعترفوا بأن ما ذكروه فى روايتهم ما هو إلا خيال وأساطير كاذبة، لا أساس لها من الصحة. فلقد أعلن ريتشارد لى وهو أحد المؤلفين الذين قدموا رواية الدم المقدس فى حديث تليفزيونى: إنهم قدموا افتراضات وتخيلات، وأعلن أنهم لم يقدموا حقائق، وأعلن أنهم لم يؤمنوا ولو للحظة واحدة أنها حقيقة فهل يتوب السيد دان براون الذى أخذ أفكار ريتشارد لى وبنى عليها؟ زعم السيد براون أن دافنشى لم يرسم الكأس المقدسة فى لوحته باعتباره كان يعرف أن المجدلية هى الكأس وأنها زوجة السيد المسيح وأنها حامل منه أى أنها تحمل دم المسيح. ونحن نقول أنه بجانب كذب هذه الادعاءات إلا أن هذه الصورة لا تمثل العشاء الربانى الذى كان تتواجد به الكأس التى قدم فيها السيد المسيح دمه لتلاميذه «سر التناول»، بل إن اللوحة تمثل العشاء الأخير «الفصح اليهودى الأخير للسيد المسيح»، ومن هنا لم يقم الفنان دافنشى برسم الكأس التى تدور حولها الأساطير، فالحدث المرسوم لا صلة له بالحدث الذى قدم فيه السيد المسيح دمه الأقدس.

نحن لا نأخذ عقائدنا من الصور أو الرسامين فهناك العديد من الصور الدينية التى رسمها فنانون عظماء كانت مليئة بالأخطاء ومن بين هذه اللوحات: أيقونة الملاك ميخائيل، وصورة آدم وحواء وهما عرايا إلا من أوراق التين تسترهما، هذه الصور تصور أصحابها ولكل منهم سرة فى بطنه، بينما الحقيقة أن جميعهم لم يكن لهم سرة فى البطن، فآدم وحواء لم يكن لأحد منهما أم تلدهما وبالتالى لم يكن لهما سرة تغذيهما خلال فترة تواجدهما فى البطن، ونفس الشىء بالنسبة للملاك، وهناك كم كبير من الصور المليئة بأخطاء الفنانين، كما أننا لا نأخذ عقائدنا من الروايات أو الأدباء بل إن كثيراً من الأعمال الأدبية غير صحيحة من وجوه عديدة: نحن نذكر منذ سنوات فيلم «المظ وعبده الحامولى» الذى قدم الخديو إسماعيل كرجل ليس فى حياته إلا الجرى وراء شهواته وطمس الفيلم الانجازات الرائعة والنقلة الجبارة التى قام بها الرجل، كما نذكر كيف أن الإذاعة المصرية قدمت لنا قصة أدهم الشرقاوى، وأظهرته كبطل مغوار، وفارس مناضل ولم يكن فى حقيقته سوى لص للمواشى، وعلى هذا النمط يسير كثير من الفنانين تحت اسم الإبداع واللمسة الشخصية للمؤلف فيقدمون لنا صورة مخالفة للحقيقة تماما، لذلك نحن نرفض كل ما جاء فى كتاب دان براون المسمى بشفرة دافنشى ونطلب له من الله الهداية لعل الله يتغمده برحمته.

حاول الفنان دافنشى أن يرسم التلميذ الذى كان يسوع يحبه «يوحنا الحبيب» والذى كان يتكئ على صدر المسيح بصورة تعبر عن شدة محبته للسيد المسيح فرسمه شابا جميلا كما اعتاد الرسامون فى عهد دافنشى أن يرسموا الشباب بهذه الصورة، إلا أن دان براون تصور بخياله المريض أن هذا الشاب هو امرأة وليس رجلا، وصدق مزاعمه الباطلة وتمادى بخياله فتخيل أنها مريم المجدلية التى كانت من بين اللواتى كن يخدمن السيد المسيح، ثم تمادى فى خياله المريض فأعلن أنها كانت زوجة للسيد المسيح و.. إلخ. نقول لكل من لديه هذه الصور المتواجدة فى أغلب بيوتنا، انظروا فيها، وإلى القديس يوحنا الحبيب المتكأ على صدر السيد المسيح وهو عن يمينه، ثم اتجهوا ببصركم إلى الجالسين عن يسار السيد المسيح انظروا إلى التلميذ الذى يحتل المكان رقم ثلاثة من جهة اليسار، ستجدونه قريب الشبه من القديس يوحنا الحبيب، نفس الوجه ونفس الشعر ونفس لون الشعر وكأنه يقول وإن كان يوحنا احتل هذه المكانة وهذه الدرجة من الحب إلا أنه لم يكن الوحيد فالجميع لهم نفس الحب وإن تفاوتت درجاتهم والآن نسأل السيد دان براون: ترى ماذا يعنى لديك هذا التلميذ الآخر؟ هل هو رجل أم امرأة؟ وهل ستقول عنه أنه زوجة ثانية للسيد المسيح؟ أم ماذا، وإذا كان هذا الشخص هو القديسة مريم المجدلية فمعنى هذا أن عدد التلاميذ لم يكن متكاملا بينما يقول الكتاب المقدس ولما كان المساء اتكأ يسوع مع الاثنى عشر. ادعى دان براون أنه بحسب التقاليد اليهودية كان لابد للسيد المسيح أن يتزوج، وأضاف أن الامتناع عن الزواج كان ذنبا يعاقب عليه بحسب التقاليد اليهودية ويستمر فى ادعاءاته الباطلة فيعلن أنه كان من واجب الأب اليهودى أن يجد لابنه زوجة مناسبة، وبناءً عليه فلو كان السيد المسيح أعزبا لكان ذكر فى أحد الأناجيل ولكان لابد من تفسير السبب وراء عدم زواجه غير المألوف على الأخلاق.

نقول لمستر براون لقد جعلت صفحتك بلاك وليست براون، لأن أكاذيبك تفوق الحد، فأنت تكذب وتصدق أكاذيبك وتعيش فيها كأنها حقائق، من أين أتيت بهذا الادعاء؟ يبدو أنك لم تقرأ الكتاب المقدس أساسا، ألا تدرى أن عددا من الأنبياء كانوا من غير المتزوجين مثل أرميا ويوحنا المعمدان وغيرهما، ألا تدرى أنه كانت توجد جماعة من اليهود يرفضون الزواج مثل جماعة الأسينيين فى قمران فى زمن السيد المسيح؟ ألا تعلم أن القديس يوحنا الحبيب والقديس بولس الرسول كانا بتوليين ؟ ألا تدرى أن الوحى المقدس يعلن أن البتولية أفضل من الزواج؟ إلى هذا الحد تتصور أن الناس يتمتعون بالسذاجة ويمكن خداعهم بسهولة!! المسيحية تقوم على عقيدة مهمة وهى الإيمان بلاهوت السيد المسيح، ومن هنا لا يمكن أن يقبل أى عقل أن يتزوج السيد المسيح من أى كائن كان أو كانت! ولو افترضنا جدلا حدوث ذلك كان لابد أن يذكر بالكتاب المقدس، لقد تحدث الكتاب المقدس عن السيدة العذراء «أم السيد المسيح» وعن إخوته «أقرباؤه بالجسد»، فلماذا لم يذكر زوجته؟ أليس هذا دليلا على سخافة الخرافة؟ ولا ننسى أن السيد المسيح وهو على الصليب، لم ينس أمه، بل أوصى القديس يوحنا الحبيب «البتول» برعاية أمه «البتول»، فلو كان للسيد المسيح زوجة، ألم يكن من اللائق أن يوصى أحداً بالاعتناء بها، أم أن الكاتب صدق خياله المريض! تبنى دان براون فكرة مساواة المرأة والرجل بفكر الوثنية الجديدة الذى يركز حول عبادة الأنثى المقدسة وذلك من منطلق أن بعض الشعوب القديمة قد عبدت الأرض باعتبارها الأم القديمة التى خلق منها آدم، كما عبدوا الأنثى باعتبارها الأم الثانية حيث يتكون الجنين فى رحمها واعتبرت مصدراً للحياة مثل الآلهة إيزيس فى مصر، وعشتار أو عشتاروت فى الشام، واللات والعزى ومناة فى الجزيرة العربية، وفينوس و افروديت فى الغرب.. إلخ، ونظراً لأن الحياة كانت توجد فى رحم الأنثى نتيجة للعلاقات الجنسية بين الرجل والمرأة أصبح الجنس عند بعض الشعوب مقدسا وكان من بين طقوس عبادة اللاهات أو الأنثى المقدسة ممارسة الجنس بين الكهنة الرجال والعابدات من النساء وبين الكاهنات النساء والعابدين من الرجال فى قدس أقداس هياكلهم ومعابدهم، ومن الافتراء أن ينسب المؤلف لمريم المجدلية أنها الأنثى المقدسة. جاء بالمقال أن أجواء الرواية والكلام عن سلالة ملكية للمسيح تنسجم مع الخلط الواضح بين الدين والسياسة فى الغرب والشرق وهو ما قد يمهد لعودة فكرة الحكم بالحق الإلهى وأفكار المسيحية - اليهودية السائدة فى أمريكا وتصوراتهم لمستقبل الأرض المقدسة «فلسطين» ليست بعيدة عن ذلك.. وتعليقنا على ذلك هو: إن فكرة هذا الزواج المزعوم تخدم اليهود تماما كما جاء بالمقال، ومعنى هذا أنه لو ظهرت هذه السلالة الخرافية ستملك على إسرائيل، وبالتالى تسود إسرائيل العالم كله كما يتوقع اليهود من مسيحهم المنتظر الذى سيأتى ليحكم العالم حكما أرضيا وتنفى عقيدتنا المسيحية فى المجئ الثانى للسيد المسيح و أن مملكة السيد المسيح ليست من هذا العالم.

القمص مرقس عزيز خليل