7 يناير 2006

 

 

مجزرة القاهرة: المأساة والأبعاد
د. النور حمد*

 

ألا تقبل الله شهداءنا من السودانيين الذين لقوا مصرعهم في القاهرة وهم يقومون باعتصام سلمي قصدوا به لفت نظر العالم إلى مشكلتهم كلاجئين، وإلى حقهم كبشر في إعادة التوطين في بلد من بلدان العالم. فووجه تعبيرهم السلمي، ضربا بالهروات حتى الموت، وركلا وتحقيرا وإساءة، وتلطيخ سمعة. ولم يسلم في هذه المذبحة الرهيبة، من الموت على أيدي الأمن المركزي المصري، حتى الأطفال الأبرياء!! ظل هؤلاء المستضعفون مخيمون في ذلك الميدان المكشوف لشهور، فلم تتحرك الأمم المتحدة لتفعل شيئا يوازي حجم المأساة المحيطة بهم. كما لم تتحرك الحكومة السودانية، من جانبها لتفعل شيئا بخصوص وضعهم. فهي بطيعة الحال، لم تر فيهم سوى أنهم تسببوا في إحراجها أمام العالم، وأمام حليفتها الحكومة المصرية. تلك الحليفة الجارة، التي أصبح نظام الإنقاذ لا يدخر جهدا في إرضائها، مهما كان الثمن. وذلك لأسباب كثيرة متشابكة، يعلمها الجميع.

ولا غرابة في نظري، في موقف الحكومة السودانية الحالية. فهي حكومة جاءت بمفهوم للمواطنة يخصها وحدها. فالمواطن الذي يستحق الإعتبار في شرعها البائس هو "الجبهجي" أولا وأخيرا. وهو الفرد الذي يؤمن بأن حكومة الإنقاذ إنما تكتب الفصل الأخير من تاريخ السودان، وربما من تاريخ الكوكب أيضا. وكل من لا يؤمن بذلك فليس له سوى المواطنة من الدرجة الثانية. والمواطنة من الدرجة الثانية نفسها، أصبحت مرتبة لا يُلَقَّاها إلا ذو حظ عظيم. رفع قادة الإنقاذ حين جاءوا شعار، "الولاء قبل الكفاءة". وبناء عليه شرعوا، وبلا توان، في تشريد الناس من وظائفهم، فأضطر خيرة المتعلمين للخروج من البلاد، وابتلعتهم المهاجر المختلفة. وكان نزيفا للعقول عظيما. كما قاموا بمضايقة أصحاب الأعمال التجارية الخاصة في أعمالهم. وتفننوا في الحيل لإخراج غيرهم من المواطنين من الأسواق، حتى احتكروها لأنفسهم تماما. وهكذا وضعوا منذ البدء فلسفتهم الإقصائية الجديدة هذه موضع التطبيق، وهي فلسفة لا تزال تسير حسب الخطة الموضوعة لها، حتى هذه اللحظة. ولا يبدو من مسار الأمور أن دخول الجنوبيين في الصورة سوف يغير فيها شيئا، كما حلم بذلك البعض.

ورث السودانيون إرثا حضاريا متميزا من عقائدهم الدينية، النوبية القديمة، والأرواحية الإفريقية، والمسيحية، والإسلامية. وقد تمكن هذا الإرث من خلق نوع من السلام الإجتماعي وسم الحياة السودانية لزمن طويل. ومن صور ذلك السلام الإجتماعي، على الهنات الكثيرة التي شابته هنا وهناك، أن السودانيين لم يحاربوا بعضهم بعضا في الرزق، بشكل مؤسسي، كالذي يحدث اليوم على يد هذه الحكومة التي أسمت نفسها زورا وبهتانا "حكومة للإنقاذ" والتي تزيت بزي الإسلام فشوهته، ونفَّرت عنه، كما لم يفعل أحد من قبل، باستثناء حكومة طالبان.

أسهم الحكم التركي، (1821-1885)، ومن بعده الحكم الثنائي، الإنجليزي المصري، (1898-1956) رغم كونهما حكمين أجنبيين، محتلين، بنصيب وافر في إرساء شكل الدولة الحديثة في السودان. في هذين العهدين تطور شكل الدولة وتطورت قوانينها، وتطور نظامها القضائي سائرا في وجهة القوانين الحداثية المستلهمة لقيم العصر. فنعمنا بشيء من الفصل بين السلطات الثلاث. وبذلك أمكن تثبيت الكثير من حقوق المواطنة العصرية. وغني عن القول، إن كثيرا من الإنتهاكات لحقوق المواطنة قد تمت في عهود الحكم الوطني، في حقبة ما بعد الإستقلال، خاصة في التعامل مع قضايا أهل الهامش السوداني العريض، غير أن الإنقاذ مثلت ردة غير مسبوقة في مجال تعريف المواطنة وتعريف الحقوق، فقد تم حصر الحقوق في المؤمنين بآيديولوجيتها وحدهم.

قلبت الإنقاذ كل إرث البلاد الحضاري رأسا على عقب وارتدت بالبلاد إلى عهود شبيهة بعهود الغاب. فأصبح تعريف المواطن منحصرا من الناحية العملية في الشخص المؤمن برؤى الحكومة، أو الموالي لها، وما عدا ذلك، فليس له وجود يذكر، ولا حقوق تذكر، من ثم. وما أكثر ما سلبت الحكومة معارضيها ومن تظن بهم معارضتها، حق الحياة نفسه. فقد أعدمت كثيرين في محاكم صورية، كما أعدمت كثيرين آخرين بغير محاكم، صورية كانت أم غير صورية!! كما عذبت معارضيها بأساليب لا تخطر حتى على عقول أعتى الشياطين، وانتهكت كل الحرمات. ولقد طال التعذيب في عهدها كل المعارضين السياسيين، بلا استثناء.

باختصار شديد، النظام السوداني القائم الآن، لا يأبه بمصير من يعارضونه، وخاصة أؤلئك الذين يعرضونه للحرج أمام أعين الآخرين في المحافل الدولية. ويستغرب كثيرون كيف لا تغار الحكومة السودانية على مواطنيها حين يبطش بهم الأجنبي، فيستحل دماءهم وأعراضهم، ويهينهم ويمرغ كرامتهم وإنسانيتهم في الوحل؟! وقد تساءل بعضنا: لماذا لا يقفل السودان سفارته في مصر، ولماذا لا يستدعي سفيره؟ إلى أخر ذلك من إجراءات الإحتجاج، ولكنني لا أرى مجالا للعجب هنا. فالحكومة السودانية لا ترى في الذين جرى تقتيلهم في مصر بلا رحمة، مواطنين يخصونها، ولذلك فهي لا تبالي بما لحق بهم! وهل بالت الحكومة السودانية الحالية بالجوعى والعراة والمرضى والمشردين داخل حدودها حتى تهتم بهم وهم خارجها. خاصة وأن هؤلاء قد بدأوا في تسليط الضوء أمام أنظار العالم على حال البلاد المزري الطارد لبنيها إلى كل منافي الأرض؟

ظلت الحكومة المصرية تراقب اعتصام المعتصمين من اللاجئين السودانيين لشهور، وحين لم تفعل الأمم المتحدة شيئا، ولم تفعل الحكومة السودانية شيئا، ولم يفعل ما يسمى بالعالم المتحضر شيئا، رأت الحكومة المصرية أن تنهي هذا الفصل المقلق لأمن النظام المصري، باستخدام هذا النوع من العنف العنيف. فبعد انتظار امتد لأشهر، أحست الحكومة المصرية بأن الضوء الأخضر، يأتيها من كل جهة. ولذلك فقد تحركت وفعلت ما فعلت. فمر الحادث ولم تقم القيامة!. لم تفعل الحكومة السودانية شيئا، ولم تفعل الأمم المتحدة شيئا يذكر، ولم يفعل ما يسمى بالعالم المتحضر شيئا يذكر. كل ما في الأمر أن صيحات استنكار بعضها محسوب بعناية، وبعضها غير محسوب، قد انطلقت هنا وهناك. وجميعها لن تلبث أن تخبوا. وسرعان ما سيسدل الستار على تلك الماساة الإنسانية، كما أسدل من قبلها على كثيرات سبقنها.

الشاهد أن الظلم قائم في كل أركان الأرض، على تفاوت بين مكان وآخر. فما يسمى بـ "العالم المتحضر"، ليس أفضل حالا من حكومات العالم النامي إلا بقدر ضئيل. كل ما في الأمر، أن المظالم في ذلك الفضاء "المتحضر"  تدار بطريقة أكثر ذكاء، في غالب الأحوال. والعالم المتحضر لم يقبل اللاجئين في أراضيه إلا مكرها. وهو لا يزال يقاوم قبولهم ما وجد إلى ذلك سبيلا. وهو حين قبلهم، لم يقبلهم إلا في الخانات الدنيا من تراتبية سلم المواطنة، التي حجزها لهم، لكونها تخدم بعضا من أغراضه. فهو قد أدخلهم أراضيه، ولكنه أعمل تشاريعه المعقدة، وخطابه الإقصائي الملتوي، لضمان بقائهم حيث يريد لهم أن يبقوا وذراريهم، يد الدهر. وما أحداث فرنسا الأخيرة إلا آخر الشواهد الماثلة.

أما الأمم المتحدة فهي تتصرف في غالب أحوالها بيروقراطية مكتبية سلحفائية فاقدة للحساسية تجاه معاناة المشردين. والأمم المتحدة لم تكن تملك من أمرها شيئا، في يوم من الأيام. فقد تم تقتيل الفلسطينيين لعقود وهي تنظر، ولا تملك حراكا. كما احتلت العراق أمام سمعها وبصرها، وتم قصف مدنييها بلا هوداة، وهي لم تطلق سوى إدانات خجولة هنا وهناك. كما أبيد مئات الألوف من أهل دارفور، فاستترت الأمم المتحدة وراء الإتحاد الإفريقي الذي تعلم قبل غيرها أنه لا حول له ولا قوة. والذي تعلم أنه لم يأت لنجدة أهل درافور من المحارق، بقدر ما أتي لتغطيتها وصرف الرأي العام العالمي عنها ببضع آلاف من الجنود، وببضع مركبات، ومروحيات، لن يكون لها أي أثر في رقعة شاسعة من الأرض تعادل مساحة فرنسا.

ولا أدل على بيروقراطية الأمم المتحدة ولامبالاتها مثل الذريعة التي تذرعت بها أمام هؤلاء اللاجئين الذين نكبوا في مصر. تذرعت الأمم المتحدة بأن السلام قد تحقق في السودان بعد توقيع اتفاقية السلام، وأن شروط اللجوء لم تعد تنطبق عليهم، وأن عليهم أن يعودوا إلى بلادهم!! هذا الموقف من جانب مفوضية اللاجئين بمصر هو الذي شجع الحكومة المصرية على ارتكاب مجزرتها تلك. فقد نزعت الأمم المتحدة من هؤلاء اللاجئين، برفضها إعادة توطينهم خارج مصر، أي غطاء قانوني دولي كانوا يستظلون به، وهم الغرباء في أرض مصر. فأصبحوا هكذا بين عشية وضحاها، مجرد متطفلين أجانب خارجين على القانون! وما من شك أن كل مبصر يعرف بداهة أن الأمم المتحدة قد تذرعت بباطل صراح. فإمضاء الوريقات التي سميت بإتفاقية السلام في السودان، لا يحول تلك الإتفاقية، بين عشية وضحاها، إلى خير، ورخاء وأمن وعيش كريم. وهكذا تنصلت مفوضية اللاجئين من مسؤوليتها تجاه هؤلاء المساكين الذين هربوا من جحيم الحرب ليلقوا مصرعم على بعد ألفي ميل من ميادين الحرب، ولكن هذه المرة بهراوات الأمن المركزي المصري، ذات فجر مأساوي كئيب!

يتقدم العالم تقنيا بوتائر مخيفة، وتتراكم الثروات فيه في أيدي القلة المسيطرة بشكل غير مسبوق. وتريد هذه القلة الآن، وبكل سبيل، أن تخضع الكوكب كله لإرادتها، لتجعل من الأكثرية الساحقة فيه مجرد أقنان في إمبراطورية الجشع التي أوشكت أن تكتمل. ويصاقب ذلك التطور المادي والتقني نقص مريع في الحساسية تجاه معاناة البشر والمبالاة بمصائرهم. فهل يا ترى ستكتمل إمبراطورية الظلم هذه، وتخرس أصوات المستضعفين في الأرض إلى الأبد، أم أن فجرا من الحق والعدل سوف يشرق بعد هذا الليل البهيم الطويل؟

 

*كاتب سوداني

جامعة مانسفيلد/بنسلفانيا

 

للتعليق على هذا الموضوع